النووي
369
تهذيب الأسماء واللغات
عيّاش ، وخلائق . وأجمعوا على توثيقه وجلالته والثناء عليه ، قال شعبة : كان أبو إسحاق السّبيعي أحسن حديثا من مجاهد والحسن وابن سيرين . وقال أحمد بن عبد الله العجلي : هو كوفي ثقة ، سمع ثمانية وثلاثين من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، والشّعبي أكبر منه بسنتين ، ولم يسمع أبو إسحاق من علقمة بن قيس شيئا . وقال أبو حاتم : هو ثقة ، ويشبّه بالزهري في كثرة الرواية . وقال علي ابن المديني : روى السّبيعي عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره ، قال : وأحصينا مشايخه نحو ثلاث مائة أو أربع مائة شيخ . توفي سنة ست وعشرين ومائة ، وقيل : سبع وعشرين ، وقيل : ثمان وعشرين ، وقيل : تسع وعشرين . 714 - أبو إسحاق الشّيرازي صاحب « المهذب » و « التنبيه » ، وتكرر في « الروضة » . هو : الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله ، الشيرازي الفيروزآباذي ، منسوب إلى فيروزآباذ بفتح الفاء ، وأصله بالفارسية : الكبير ، وهي بليدة من بلاد فارس . وهو الإمام المحقق المتقن المدقق ، ذو الفنون من العلوم المتكاثرات ، والتصانيف النافعة المستجادات ، الزاهد العابد الورع ، المعرض عن الدنيا ، المقبل بقلبه على الآخرة ، الباذل نفسه في نصر دين الله ، المجانب للهوى ، أحد العلماء الصالحين ، وعباد الله العارفين ، الجامعين بين العلم والعبادة ، والورع والزهادة ، المواظبين على وظائف الدين ، المتّبعين هدي سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين . ولد سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة ، وتفقه بفارس على أبي الفرج بن البيضاوي ، وبالبصرة على الخرزي ، ثم دخل بغداد سنة خمس عشرة وأربع مائة ، وتفقه على شيخه القاضي الإمام الجليل أبي الطيب الطبري طاهر بن عبد الله ، وجماعة من مشايخه المعروفين ، وسمع الحديث من الإمام الحافظ أبي بكر البرقاني ، بفتح الباء وكسرها ، وأبي علي بن شاذان وغيرهما من الأئمة المشهورين ، ورأى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في المنام ، فقال له : يا شيخ . فكان يفرح بذلك ، ويقول : سمّاني رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم شيخا . وقال : كنت أعيد كل درس مائة مرة ، وإذا كان في المسألة بيت شعر يستشهد به ، حفظت القصيدة كلها من أجله . وكان عاملا بعلمه ، صابرا على خشونة العيش ، معظما للعلم ، مراعيا للعمل بدقائقه وبالاحتياط . كان يوما يمشي وبعض أصحابه معه ، فعرض له في الطريق كلب ، فحسره صاحبه ، فنهاه الشيخ ، وقال : أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشترك . ودخل يوما مسجدا ليأكل فيه شيئا على عادته ، فنسي دينارا ، فذكره في الطريق ، فرجع فوجده ، فتركه ولم يمسّه ، وقال : ربما وقع من غيري ، ولا يكون ديناري . قال الحافظ أبو سعد السمعاني : كان الشيخ أبو إسحاق إمام الشافعية والمدرّس ببغداد في النّظامية ، شيخ الدهر وإمام العصر ، رحل إليه الناس من الأقطار ، وقصدوه من كل النواحي والأمصار ، وكان يجري مجرى أبي العباس بن سريج . قال : وكان زاهدا ورعا ، متواضعا ظريفا ، كريما سخيا جوادا ، طلق الوجه دائم البشر ، حسن المحاورة مليح المجاورة ، وكان يحكي الحكايات الحسنة والأشعار المليحة ، وكان يحفظ منها كثيرا ، وكان